مجموعة مؤلفين
214
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
وتندرج الموجودات في وجود الحق ، وتغيب عن نظر صاحب هذا المقام كما غابت أعيان الكواكب عند الناظر بطلوع النير الأعظم الذي هو الشمس ، فيقول بفناء أعيانها من الموجود ، وما فنيت في نفس الأمر ، بل هي على حالها في أماكنها من فلكها على حكمها وسيرها ، وكلا القولين قد علم من الطائفة . ومن أصحاب هذا المقام من يجعل أمر الخلق مع الحق كالقمر مع الشمس في النور الذي يظهر في القمر ، وليس في القمر نور من حيث ذاته ، ولا الشمس فيه ولا نورها ، ولكن البصر كذلك يدركه ، فالنور الذي في القمر ليس غير الشمس ، كذلك الوجود الذي في الممكنات ليس غير وجود الحق ، كالصورة في المرآة ، فما هو الشمس في القمر وما ذلك النور المنبسط ليلا من القمر على الأرض بمغيب عين الشمس غير نور الشمس وهو مضاف إلى القمر ، انتهى . وقال في الباب الخامس ومائتين « 1 » : التخلي عند القوم اختيار الخلوة والإعراض عن كل ما يشغل عن الحق . وعندنا : التخلي عن الوجود المستفاد ؛ لأنه في الاعتقاد هكذا وقع وفي نفس الأمر ليس إلا وجود الحق والموصوف باستفادة الموجود هو على أصله ما انتقل عن إمكانه بحكمه باق وعينه ثابتة ، والحق شاهد ومشهود ، فإنه تعالى لا يصح أن يقسم بما ليس هو ؛ لأن القسم به هو الذي له العظمة ، فالقسم بشيء ليس هو فمما أقسم به وشاهد ومشهود ، فهو الشاهد والمشهود ، وهو ما استفاد الوجود بل هو الموجود . فإن قلت : فمن هذا الذي جهل هذا الأمر حتى تعلمه ، ولا تقبل الأعلام إلا موجود .
--> ( 1 ) في ( 4 / 168 ) .